الشيخ محمد رشيد رضا
184
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فصرتم كأنكم لم تفشلوا ولم تتنازعوا ولم تعصوا وقد ظهر أثر هذا العفو في حمراء الأسد كما علم مما مر وما يأتي وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فلا يذرهم على ما هم عليه من ضعف يلم ببعضهم . أو تقصير يهبط بنفوس غير الراسخين منهم ، حتى يبتلى ما في قلوبهم ، ويمحص ما في صدورهم ، فيكونوا من المخلصين . إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أي صرفكم عنهم في ذلك الوقت الذي أصعدتم فيه أي ذهبتم وأبعدتم في الأرض منهزمين - وهو غير الصعود الذي هو الذهاب في المرتفعات كالجبال - لا تلوون أي لا تعطفون على أحد بنجدة ولا مدافعة ولا تلتفتون إلى من وراءكم لشدة الدهشة التي عرتكم والذعر الذي فاجأكم وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي تفعلون ذلك والرسول من ورائكم يدعوكم إليه فيمن تأخر معه منكم فكانوا ساقة الجيش - روى أنه كان يقول في دعوته « إلى عباد اللّه إلى عباد اللّه ، أنا رسول اللّه من يكر فله الجنة » وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون وكان يجب أن يكون لكم أسوة حسنة في الرسول فتقتدوا به في صبره وثباته ولكن أكئركم لم يفعل فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ أي فجازاكم اللّه غما بسبب الغم الذي أصاب الرسول من فشلكم وهزيمتكم أو غما متصلا بغم ، فنال العدو منكم ونلتم من نفسكم إذ صرتم من الدهشة يضرب بعضكم بعضا وفاتتكم الغنيمة التي طمعتم فيها . قال الأستاذ الامام : الغم هو الألم الذي يفاجئ الانسان عند نزول المصيبة وأما الحزن فهو الألم الذي يكون بعد ذلك ويستمر زمنا ، أقول : والمتبادر أن الغم ألم أو ضيق في الصدر يكون من الأمر الذي يسوءك وإن لم تتبين حقيقته أو سببه أو لا تدرى كيف يكون المخرج منه فان المادة تدل على معنى الخفاء يقولون : غم الشئ إذا أخفاه . وغم عليهم الهلال لم يظهر ولم ير . ورجل أغم الوجه : كثير شعره . ومنه قوله تعالى ( 10 : 17 ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ) وفي الأساس « وإنه لفى غمة من أمره . إذا لم يهتد للخروج منه » لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ أي لأجل أن لا تحزنوا بعد هذا التأديب والتمرين على ما قاتكم من غنيمة ومنفعه ولا على ما أصابكم من قرح ومصيبة فان التربية إنما تكون